اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
70
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
تامة بالتراث العلمي لعصرهما . أحدهما هو نوبخت الذي انحدرت من صلبه دوحة إيرانية احتلت مكانا مرموقا في ميدانى العلم والسياسة في العصر العباسي 5 ، أما الآخر فهو ما شاء اللّه الذي وإن كان يهوديا إلا أنه ارتبط ارتباطا وثيقا بالتراث الإيراني 6 ، وسيرد بالتالي ذكر استعماله « لزيج الشاه » الذي يرجع أصله إلى العهد الساساني . والتأثير الإيراني يمكن تتبعه ليس في الأسماء فحسب بل أيضا في المصطلحات التي وجدت طريقها إلى أوروبا الوسيطة بفضل الترجمات اللاتينية لمصنفات ما شاء اللّه الذي يرد اسمه باللاتينية على صورة Messahallath أو Messeallah 7 . ويمكن افتراض وجود علاقة بين هذا التراث الإيراني والمدرسة الطبية الشهيرة لعهد الساسانيين بجنديسابور 8 - - التي وإن كان أطباؤها جلهم من المسيحيين إلا أن لغتهم كانت الفارسية . ونادرا ما اتسمت المصنفات الفلكية الإيرانية التي وصلت العرب في ذلك العصر بالأصالة ، فهي كانت عادة تعكس العلم الهندي الذي وجد طريقه أيضا إلى العرب مباشرة . وتصور الرواية العربية هذه الصلة بالعلم الهندي على الطريقة الآتية : فقد كان من بين أعضاء السفارة الهندية إلى بلاط المنصور في عام 154 ه - 771 أو عام 156 ه - 773 عالم هندى هو مانكا Manka أو كانكا Kanka أحضر معه من الهند رسالة في الفلك بجداولها أطلق عليها في الترجمة العربية التي عملها الفزاري ويعقوب بن طارق اسم « كتاب السند هند » 9 . وكثير من جوانب هذه القصة غير واضح ابتداء من التردد في الوقوف عند تاريخ محدد ، الأمر الذي يزيد في تعقيده وجود رواية أخرى عن سفارة ثانية في عام 161 ه - 777 - 778 10 . غير أن أصل هذه الرسالة قد أمكن تحديده بكل ثقة وبدرجة كبرى من اليقين ألا وهو رسالة « براهما سفوطا سدانتا » Brahm asphutasiddhanta التي وضعها في عام 628 براهما غبتا Brahma Gupta 11 ، ولفظ « سيدانتا » قد تحول في الوسط العربي تحت تأثير الاشتقاق الشعبي إلى « السند هند » الذي تنعكس فيه التسمية العربية لشطرى الهند ، أي الهند والسند . ومعنى « سيدانتا » في الأصل هو « المعرفة والعلم والمذهب » 12 ، ثم لم يلبث أن أطلق اصطلاحا على كل مصنف في الفلك . والرسالة تحوى مقدمة وجيزة أرفق بها عدد من الجداول الفلكية في تحركات الأجرام السماوية وطلوع ومغيب البروج . وقد حسبت هذه الحركات على أساس دورات زمنية تضم آلاف السنين وهي ما تسمى بالكلبا Kalpa التي تقوم على فرض مؤداه أنه في بداية العالم كانت الشمس والقمر والكواكب مجتمعة على خط واحد وأنها سترجع إلى نفس الوضع في نهاية العالم 13 وقد ظلت هذه النظرية معروفة في أوروبا لعهد طويل ، ولنذكر بهذه المناسبة أنه قد وردت في « الكوميديا الإلهية » لدانتى Dante الأبيات الآتية : « كان الوقت لحظة الصباح الأولى ، وقد ارتفعت الشمس محاطة بنفس تلك النجوم التي كانت